أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
155
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
النعيم ، لا يرون لأنفسهم تركا ولا فعلا ولا قوة ولا حولا ، يرون أنهم محمولون بالقدرة الأزلية مصروفون عن المشيئة الأصلية وهم من أهل قوله تعالى : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] . فأهل القسم الأول : عبادتهم للّه . وأهل القسم الثاني : عبادتهم باللّه وبقدرة اللّه ، وبينهما فرق كبير . وقسم ثالث : فرحهم باللّه دون شيء سواه ، فانون عن أنفسهم باقون بربهم ، فإن ظهرت منهم طاعة فالمنة للّه ، وإن ظهرت منهم معصية اعتذروا للّه أدبا مع اللّه ، لا ينقص فرحهم إن ظهرت منهم زلة ، ولا يزيد إن ظهرت منهم طاعة أو يقظة ؛ لأنهم باللّه وللّه ، من أهل لا حول ولا قوة إلا باللّه ، وهم العارفون باللّه . فإن ظهرت منك أيها المريد طاعة أو إحسان فلا تفرح بها من حيث إنها برزت منك فتكون مشركا بربك فإن اللّه تعالى غني عنك وعن طاعتك ، وغنى عن أن يحتاج إلى من يطيعه سواه ، قال اللّه تعالى : وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ العنكبوت : 6 ] ، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم حاكيا عن ربه عز وجلّ : « يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا « 1 » » الحديث . وافرح بها من حيث إنها هدية من اللّه إليك تدل على أنك من مظاهر كرمه وفضله وإحسانه ، فالفرح إنما هو بفضل اللّه وبرحمته قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] ، ففضل اللّه هو هدايته وتوفيقه ، ورحمته هو اجتباؤه وتقريبه ، وقيل : فضل اللّه الإسلام ، ورحمته القرآن ، وقيل : فضل اللّه هداية الدين ، ورحمته جنة النعيم ، وقيل : فضل اللّه توحيد الدليل والبرهان ، ورحمته توحيد الشهود والعيان ، وقيل غير ذلك ، واللّه تعالى أعلم . ولما كان الفرح بالطاعة قد يتوهم أنه فرع رؤيتها ، والنظر إليها رفع ذلك بقوله :
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 1994 ) ، والترمذي ( 4 / 656 ) ، وأحمد في المسند ( 5 / 154 ) .